العدد رقم: 277    تاريخ: Friday, January 22, 2010                   
 
  • الإفتتاحية: في تجارب المنطقة مع المفاوضات - فؤاد مخزومي

  • الصفحة الأولى
    الافتتاحية
    المشهد اللبناني
    نشاطات
    رأي
    في القانون
    رياضة
    عيون على الحدث
    نشاطات مؤسسة مخزومي
    مقتطفات من البرنامج السياسي
    منوعات
    من نحن؟؟
    الأرشيف
     

    الإفتتاحية
    في تجارب المنطقة مع المفاوضات
     

    فؤاد مخزومي

      يأتي المبعوث الأميركي للسلام في الشرق الأوسط جورج ميتشل إلى بيروت ومنها إلى دمشق وإلى عواصم متعدّدة ومؤثرّة في المنطقة ليعد أهلها باستئناف المفاوضات العربية -الإسرائيلية على مسارها الفلسطيني أولاً، فما هي احتمالات نجاحه أو فشله؟ وماذا يمكن أن يحمل المبعوث القديم الجديد والخبير جداً بملف الصراع العربي-الإسرائيلي وشؤون التفاوض وشجونها، منذ كان موفداً للرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش؟ وهل يمكن أن يُحدث اختراقاً في جدار عملية السلام علماً أن جولة ميتشل أتت بعد جولة قام بها مستشار الأمن القومي الأميركي جيمس جونز بكل ما يمكن أن تحمله زيارة الأخير من إيحاءات أمنية مخالفة للمفهوم السياسي الذي يلازم مفهوم التفاوض وطابعها الديبلوماسي؟ ذلك على الرغم من أن جونز أكد في تصريحاته البيروتية أن جولته في المنطقة تصبّ في رغبة الرئيس الأميركي باراك أوباما في إعادة تحريك عملية السلام في الشرق الأوسط في العام 2010.  
        طبعاً، من المبكر الحديث عن إمكانية نجاح أو فشل مهمة المبعوث الدولي جورج ميتشل، الذي يزور المنطقة بدءاً من لبنان، في تحقيق إختراقات في ملف التسوية مع الفلسطينيين. وهل ستنفرد واشنطن في مساعيها أم أن مهمة موفدها تدور في حلقة مفرغة عنوانها رضوخ واشنطن لتعنت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أو أنها ستعود إلى تعويم اللجنة الرباعية (أميركا- روسيا-الإتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) كما حصل إبان عهد الرئيس بوش بعد أن فشلت مساعي ميتشل نفسه وأيضاً حين كان منتدباً من الرئيس الأميركي السابق والذين جاؤوا بعده في عهد بوش مثل نائب وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وليم بيرنز، ورئيس الـ "سي.آي.إي" الجنرال جورج تينيت وسواهما؟ وهل سيعيد إحياء ملف المفاوضات السوري- الإسرائيلي؟ وهل ستعود أنقرة إلى لعب دور الوسيط على هذا المسار أم أن الأزمة التي نشبت مؤخراً بين تركيا وإسرائيل سوف يكون لها تداعياتها على هذا الملف؟ وفي أي حال هل من جديد عند إدارة باراك أوباما بما يخص الصراع العربي- الإسرائيلي غير الذي نعرفه عن المصير الذي أعلنه الرئيس الفلسطيني محمود عباس نفسه عن انسداد في الأفق وهو المتمرّس بالمفاوضات سواء مع حكومة إيهود أولمرت طوال فترة حكم الأخير وقبلها في أوسلو؟ من الواقعية القول إن إدارة أوباما إذا كانت في عجلة من أمر الإمساك بهذا الملف أن تتجه إلى الضغط على حكومة نتنياهو في مسألة المستوطنات وأن تبني على القرارات الدولية ذات الصلة بمختلف قضايا الصراع، وإلاّ فإن ما يجري يعتبر مضيعة للوقت وهدراً للجهود التي لم تؤدي إلى أي نتيجة سوى فتح الباب أمام إسرائيل لفرض المزيد من الواقع المرير على الأرض في فلسطين وإبقاء سيف تهديداتها مسلطاً على لبنان واللبنانيين.
        وهنا مكامن الخطر حيث أن البناء على تراه حكومة نتنياهو في قضايا مثل القدس والحدود واللاجئين والمستوطنات والسيادة، ويبدو حتى الآن أن إدارة باراك أوباما ملتزمة بعدم إزعاج إسرائيل وهذا ما كشفته تباعاً إما تصريحات الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون وإما القيادات الإسرائيلية نفسها وبعض منها كانت قد أوحت به أيضاً تصريحات لمسؤولين فلسطينيين في السلطة الفلسطينية، خصوصاً في مرحلة التفاوض السابقة مع سلف نتنياهو أي إيهود أولمرت والتي كانت تفيد عن التوصل مع الرئيس عباس وحكومة سلام فياض إلى تنازلات تتعلق بحق العودة للاجئين الفلسطينيين وتبادل الأراضي وبقاء المستوطنات والحدود والأغوار وتهويد القدس واقتسام المسجد الأقصى والتسليم بيهودية الدولة الإسرائيلية- وعد الرئيس جورج دبليو بوش وموافقة الرئيس باراك أوباما-  (دولة لليهود فقط لشطب الوجود الفلسطيني لاحقاً فيها). وهذه جميعها لها تداعياتها في بلدنا وكانت قد أشعلت حروباً في لبنان. 
        مما لا شك فيه أن هنالك ارتباكاً واضحاً في الرؤية الأميركية في عهد باراك أوباما في ما يتعلق بملف الصراع العربي-الإسرائيلي ومعاودة المفاوضات على المسار الفلسطيني-الإسرائيلي. هذا الإرتباك يتزامن وياللأسف مع غياب لأي دور عربي فاعل يحاول التأثير على مجريات الأمور عبر لغة إدارة المصالح لا علاقات الصداقة المجردة التي لا ترتكز إلى أي أساس سياسي حقيقي أو خلفية اقتصادية ذات معنى. فأياً تكن الرغبة العربية في السلام حقيقية وجدية ولكنها لا تجد في الجانب الآخر ومنذ إطلاق مبادرة السلام العربية في العام 2002 من بيروت أي تجاوب حتى ولو ظاهري. أما واشنطن فتبدو متراجعة في مواقفها إزاء موقف نتنياهو من وقف الإستيطان. ففي الوقت الذي دعت فيه وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون وزراء الخارجية العرب حين لاقوها في واشنطن إلى الضغط على الرئيس محمود عباس للعودة إلى طاولات المفاوضات بلا شروط، لم تتردد بالإعلان تكراراً عن أن دولة إسرائيل هي دولة لليهود، إذ شطبت بذلك "حق العودة" وهو موضوع إذا لم نقل إنه حق مكتسب للفلسطينيين عبر القرار الدولي 194، هو في حدّه الأدنى يبقى للتفاوض حوله، فكيف يشطب ويصبح بالتالي شرطاً مسبقاً للتفاوض؟  
        وهنا لا بد من الإشارة إلى أن التقصير العربي -وللأسف- هو السمة الأبرز لكيفية مواجهة التعنت الإسرائيلي. وهو تقصير قد يرتب ليس فقط استفراداً بالفلسطينيين وإنما أيضاً تمهيد المجال أمام ما يشبه حرباً أهلية فلسطينية إذا لم يستطع الفلسطينيون تجاوز الخلافات والإنقسام وأن وحدانية القرار الفلسطيني لا تعني التخلي عن الثوابت. أما في لبنان فإن أي تسوية على حساب القضية الفلسطينية وخصوصاً عودة اللاجئين سوف تثير انقساماً خطيراً في الشارع اللبناني.
        فالمهم الآن أن لا تنجح خطط العدو الإسرائيلي في العودة إلى المفاوضات المبتسرة حول المسائل الجوهرية التي يحاول إرساء مفهومه بإبقاء الإستيطان والجدار والحواجز والسيطرة على القدس بمقدساتها ومنع اللاجئين من العودة والسيادة على الجو والحدود والأرض والمياه... وهذه المواضيع لا يمكن لواشنطن أن تتجاهلها عندما تتكلم عن الدولة الفلسطينية.
    إن جولة موفد الولايات المتحدة إلى المنطقة جورج ميتشل تتطلب وقفة عربية جدية للتأكيد على فكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بما فيها عودة اللاجئين. وحسناً فعل الرؤساء الثلاثة عند لقائهم ميتشل وقبله مستشار الأمن القومي الأميركي جيمس جونز -على اختلاف مهمة الرجلين وحتى اختصاصاتهما- في تكريس المسلمات اللبنانية من جهة، ورفع مطالب اللبنانيين في ما يتعلق بتضييق الحريات على اللبنانيين والرافض للتدابير الأميركية الأمنية حيال المسافرين من لبنان الى الولايات المتحدة، والإعلامية في ما يتعلق ببث بعض المحطات التلفزيونية. ويبقى أن السؤال في العالمين العربي والإسلامي هو عن الآلية التي ستعتمدها الإدارة الأميركية الجديدة لإقامة هذه الدولة. وماذا عن التدمير المنظم الذي تقوم به الحكومة الإسرائيلية للمجتمع المدني وبناه المختلفة مع تواصل حصار غزة وإغلاق المعابر وسياسة التجويع للفلسطينيين والاحتلال الاستيطاني والاغتيالات والاعتقالات والجدار الفاصل لخلق المزيد من المعازل في الضفة الغربية وتسارع عملية تهويد القدس وتهديد الأقصى بكل أنواع التهديم سواء من فوق الأرض عبر العبث والإرهاب الذي يقوم به المستوطنون أم تحته عبر الأنفاق التي تهدد دعائمه؟
        بكلمة، إن تجارب المنطقة مع أية مفاوضات في سياق العملية السلمية لحل الصراع العربي-الإسرائيلي لا تدعو إلى تعليق الكثير من الآمال على الحراك الأميركي الحالي لإعادة تحريك عملية السلام في الشرق الأوسط في العام 2010، لا بل إن تجربة الأشهر الأخيرة والتي شهدت تراجعاً أميركياً مشهوداً في مسألة بناء المستوطنات، بالإضافة إلى تناقض التصريحات بين ميتشل ورئيسة الديبلوماسية الأميركية كلينتون توحي بأن مصير عملية السلام ما زال يغلفها الكثير من الضباب في ظل عسكرة واضحة وجلية تطبع كل مواقف إسرائيل وقياداتها تجاه المنطقة وأبنائها وفي المقدمة منهم بلدنا لبنان.  



     
       

       Designed & Developed by: e-gvision.com